المنجي بوسنينة
13
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
يوجّه إليه من عقوبة أن يحبس عن الحج ، كما فعل معه حاكم البصرة مرّة ، فلم يطلق سراحه إلّا مع هلال ذي الحجة ، وساعدته ناقته القويّة على أن يشهد عرفات مع الحجيج . في هذه الرحلات المتعدّدة ، وقد جاور في واحدة منها ، القبر الشريف عاما كاملا ، اشتهر أمر جابر بن زيد في الحجاز ، وعرف طالب علم ومفتيا ، وكان ابن عباس يقول إذا سأله بعض أهل البصرة الفتيا : « تسألونني ، وفيكم جابر بن زيد » وكان الحجيج يعرفون هذا فيتوجّهون إليه بالأسئلة حين يعجز العلماء الآخرون كما يروي ابن حزم في المحلى [ فقه الإمام جابر ، بكوش ، ص 72 ] بل كان يسأل الفتوى وهو سجين ، فقد أتوا به مرة وهو مقيّد الرجلين ليسألوه : هل يعطى الخنثى في الميراث نصيب رجل أو امرأة ؟ فقال : تسجنوني وتستفتونني ؟ ثم قال : انظروا من أين يخرج البول واحكموا . أما عبد الله بن عمر ، عالم المدينة الكبير ، والذي كان أكثر ميلا إلى الرواية منه إلى الرأي والدراية ، فقد تتلمذ عليه جابر ، وروى عنه كثيرا من الأحاديث النبوية التي دوّنها الإمام الربيع بن حبيب في مسنده « الجامع الصحيح » وعرف ابن عمر بدوره قدر جابر وأوصاه ذات مرّة في الطواف ، ثم يقول الحافظ الأصفهاني ، بطريقة الفتوى المثلى كما كان يراها ابن عمر : « يا جابر ، إنّك من فقهاء البصرة وإنّك ستفتي ، فلا تفتني إلّا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت » . ولا شك أنّ لقاء جابر بن زيد بأم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها ، يعد واحدا من أهمّ اللقاءات التي كان يسعى إليها من خلال رحلاته الحجازية ، فلقد كانت عائشة تروي الكثير ممّا حفظته في بيت النبوّة ، وتتحدّث عما رأت النبي يفعله ، وكانت تعرف عن الجانب التشريعي للمرأة بحكم موقعها من الرسول ما لا يعرفه سواها ، وقد تكون بعض جوانب هذه المعرفة ، محتاجة إلى جرأة السائل الفقيه لاستخراجها ، وهذا ما كان يفعله جابر بن زيد ، يقول الشماخي : « دخل جابر وأبو بلال على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل ، فاستغفرت وتابت » ، قال : « ودخل جابر عليها فأقبل يسألها عن مسائل لم يسألها أحد عنها ، وإن جبينها لينصبّ عرقا ، وهي تقول : سل يا بني » . [ الشماخي ، 1 / 69 ] . إذا كان جابر بن زيد في سبيل تلقيه للعلم ، قد بذل هذا الجهد الرائع ، وقدّم هذا النموذج الطيّب ، وهو ينتقل من عمان ، في الفج العميق من جزيرة العرب ، ساعيا نحو البصرة ، متنقّلا نحو مكة والمدينة ، متشربا ما لدى علماء الصحابة والتابعين ، مجتهدا في الفهم والتأويل ، فإنه في ذات الوقت ، قدم قدوة كبرى على طريق توصيله للعلم ونقله إلى غيره من الناس ، عبر الزمان والمكان ، ويرجع ذلك إلى ثبوت وجود أثر مكتوب تحت عنوان « ديوان جابر بن زيد » وهو أثر أصبح ذكره من مسلمات كتب التراجم العربية وقوائم المكتبات ، ويذكره حاجي خليفة في كشف الظنون [ 1 / 781 ] . وتتحدّث المراجع عن ضخامة حجم هذا الديوان وأنه كان يقع في عشرة أجزاء كبيرة . ويقال : كان يعجز عن حمله البعير ، وقد كانت توجد منه نسخة في إحدى مكتبات